الراغب الأصفهاني
176
الذريعة إلى مكارم الشريعة
الْقُبُورِ « 1 » ، وسماه ماء بقوله : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها « 2 » الآية . والإيمان زبدة العقل والعمل ولذلك قال في مواضع : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ « 3 » فعلق به ما علق بهما ، وسميّ العقل قلبا وذلك أنه لما كان القلب مبدأ تأثير الروحانيات والفضائل سميّت به ، ولذلك عظم اللّه تعالى أمره لاختصاصه بما قد أوجد لأجله وقال تعالى : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ « 4 » ، وقال : مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ « 5 » وقال : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ « 6 » فنبه أن القلب إنما يكون في الحقيقة قلبا إذا كان متخصصا بما قد أوجد لأجله ، وما أوجد لأجله هو المعارف الحقيقية . وقال عليه الصلاة والسّلام : « إن في البدن مضغة إذا صلحت صلح لها سائر البدن وإذا فسدت فسد لها سائر البدن ألا وهي القلب » « 7 » ولما كان أشرف المعارف هو ما يتخصص به القلب قال تعالى : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ « 8 » فخصه بالذكر « 9 » . .
--> ( 1 ) فاطر / 22 . ( 2 ) الرعد / 17 . ( 3 ) الروم / 32 . ( 4 ) الشعراء / 88 - 89 . ( 5 ) ق / 33 . ( 6 ) ق / 37 . ( 7 ) جزء من حديث صحيح رواه البخاري الإيمان / 39 / حديث 52 . ( 8 ) الشعراء / 193 . ( 9 ) العلاقة بين العقل والقلب أوضحتها اللغة حين فسر ابن منظور القلب : العقل . وحين قال الفراء القلب : الفهم والتدبر . ولعل هذا هو الذي جعل المفسرين من الصحابة والتابعين يشيرون إلى الوظائف الإدراكية للقلب ، ففسروا القلب في قوله -